44196 السنة 132-العدد 2007 ديسمبر 8 28 من ذى القعدة 1428 هـ السبت
هو وهي
جـمـهـورية فـيروز
بقلم: ســنـاء البيـــسي
فيروز وقفت هذا الأسبوع علي المسرح في حضرة أكثر من خمسة آلاف مشاهد تصرخ في وجه الوالي بجامعة عمان قبل إسدال الستار صح النوم.. وياريته صحي. وياريته سمع كلامها وقام يفز ينهض يغسل وشه وينضو عنه ثوب الخمول والكسل وكآبة الإدمان والاتكال والشجب والتربسة والخصخصة وفتاوي من قبل ما يعرف الإنسان ايده اليمين من الشمال حول الحلال والحرام, وايداع كل ما عنده وديعة تفرخ فلوسها وحدها بلا جهد ليلتفت باحثا له عن دور في الخناقة التحتاوي علي من شاف قبل التاني طلعة الهلال.. صح النوم..المسرحية القديمة الجديدة الساخرة التي يصحو فيها الحاكم من النوم ليلة واحدة في الشهر ليلبي ثلاثة مطالب فقط لشعبه ثم يعود للنوم في العسل.. المسرحية التي حركت بصرختها من جديد دعوة فيروز لكي تصبح رئيسة لبنان بعدما لم يعد هناك علي الساحة غيرها.. من تتفق حولها جميع الطوائف والاتجاهات, وتنتهي مع شدو صوتها جميع الصراعات.. ولم لا.. ففيروز من كانت القضية اللبنانية صاحبة النصيب الأكبر في فنها, وهي التي حملت منذ البداية لبنان في قلبها وأبت أن تبارح أرضها إلا لتزرع في قلوب المغتربين حب الوطن الأم وتذكرهم بلبنان: بحبك يا وطني بحبك بشمالك بجنوبك بسهلك بحبك.. ولم لا..ففيروز من وحد صوتها ما عجزت حناجر السياسيين كافة عن تحقيقه.. ولم لا.. ففيروز التي لو شاءت الإقامة في قصور هونولولو أو جنات جزر البهاما لأقامت وعاشت بالطول والعرض والشهرة والصيت والمجد, لكنها المصرة علي البقاء بين الروشة والرابية رمزا لوحدة بيروت وصمود لبنان وحولها تتصارع أكثر من18 ميليشيا لا تتآلف قلوب رجالها إلا علي عشق إبداع فيروز.. ولم لا.. ففيروز المرأة الشجاعة الصلدة التي حين ماتت ابنتها الشابة ليال لم تملأ الدنيا مواء ولم تشق ثوبها بل ذهبت تبدع حزنها ترتيلا وتشارك به آلاف النساء المكسورات في وطننا الحزين.ولم لا وهي التي أعلنت موقفها الأبي أنها لن تغني لأي حاكم عربي ولن تشارك في أي زفة فنية لأي نظام, حتي عندما طلب منها الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة شخصيا الغناء له فرفضت مما أغضبه لينتقم بمنع بث أغانيها من الإذاعة التونسية.. ولم لا وقد اعتبرها الإسرائيليون خطرا علي أمنهم حتي أن صحيفة يديعوت أحرنوت كتبت في أحدث تقرير لها أن فيروز تمثل خطورة بالغة علي الاستقرار داخل إسرائيل لعدة أسباب أهمها تأثر العديد من الشباب العربي بها وبثورية أغانيها, وذهبت الصحيفة تتهمها بأنها الجاني الأول وراء مقتل العديد من الإسرائيليين في المواجهات العسكرية سواء مع الفلسطينيين أو اللبنانيين..ولم لا وقد أسس لها الصحفي الكبير الراحل سعيد فريحة حزبا غنائيا اسمه حزب الفيروزيين.. ولم لا وفيروز التي شدت بالعربية والسريانية واللاتينية والإنجليزية قد غنت لميلاد المسيح والسيرة المحمدية من ألحان توفيق باشا.. السيرة التي لم يسمع بها غالبيتنا بعدما طواها الإهمال والتجاهل في غمرة النسيان الإعلامي في أرشيفات إذاعتنا.. ولم لا وهي سفيرة لبنان علي مدي خمسين عاما في عواصم العالم العربي تغني لمصر: عادت شمسك الذهب, ولفلسطين سنرجع مهما يمر الزمان وتنأي المسافات ما بيننا, وغنت بشوارع القدس العتيقة, وغنت لبعلبك: أنا شمعة علي دراجك. ووردة علي سياجك. أنا نقطة زيت بسراجك, بعلبك يا قصة عز عليانة وبالليالي حليانة.. وكانت في وعدها هادرة: سنرجع خبرني العندليب.. وهتفت للحبيب: حبيتك بالصيف حبيتك بالشتا.. وغنت للقمر الساطع في سماوات العرب يا قمر أنا وياك.. نحنا والقمر جيران.ولم لا.. لا تكون فيروز رئيسة لجمهورية لبنان في مسيرة الزحف النسائي الرئاسي العالمي بعدما أصبح عددهن في مقاعد الحكم11 امرأة بفوز كريستينا فرنانديس أخيرا برئاسة الأرجنتين.. في القارة الأوروبية وحدها والصلاة ع النبي خمس نساء في عين العدو: أنجيلا ميركل التي انتخبت في عام2006 مستشارة لألمانيا لأول مرة في تاريخ الألمان, وميشيلين كالمي راي من انتخبها البرلمان الفيدرالي عام2006 رئيسة للاتحاد السويسري, وهيلين كلارك التي تولت حكومة نيوزيلانده منذ عام1999, كذلك ماري مالكيز في أيرلندا, وهاتاريا هالونيس في فنلندا.. وفي افريقيا السوداء لم تزل لويزا ديوجو رئيسة الوزراء في موزنبيق منذ عام2004, وإليكم إيلين جونسون سيرليف التي فازت فوزا مدويا في الانتخابات الرئاسية في ليبيريا عام2005... وفي أمريكا اللاتينية انتخبت ميشال باشليه عام2006 رئيسة لجمهورية شيليأما في جارتتنا القارة الآسيوية فقد انتخبت براتيبها باتيل رئيسة للهند وهو منصب شرفي حازت عليه في يوليو الماضي لتصبح أول امرأة تشغل هذا المنصب في تاريخ الهند, وفي الفلبين هناك الرئيسة المنتخبة جلوريا أرويو التي تزاول مهام منصبها الرئاسي من بعد ثلاث سنوات من تعيينها نائبة للرئيس.. وفي آسيا منذ عام1996 وصلت ثلاث نساء إلي منصب رئاسة الوزارة في ثلاث دول إسلامية هن: بنظير بوتو رئيسة وزراء باكستان, والبيجوم خالدة رئيسة وزراء بنجلاديش, وتانسو تشيلار رئيسة وزراء تركيا لتلحق بهن ميجاواتي سوكارنو رئيسة لأكبر دولة إسلامية في أندونيسيا حيث مكثت علي مقعد الرئاسة منذ عام2001 حتي عام2004, أما إذا ما فازت هيلاري كلينتون في الانتخابات الرئاسية القادمة فستغدو الدستة الحريمي كاملة العدد بغض النظر عن تسيبي ليفني وزيرة خارجية إسرائيل, ووزيرة الداخلية ـ أو الخارجية ـ في بريطانيا....ويسألون فيروز إذا ما كنت صانعة القرار السياسي في لبنان فماذا سيكون قرارك الأول؟ فترد فيروز: يي ما بيصير وما بدي, ماتعودت أنو أحكي هادي الحكي.. ويعاودون الإلحاح بإطلاعها علي نتائج الاستفتاء الافتراضي حول اختيار رئيس جمهورية لبنان حيث كانت النتيجة إجماعا عليها فترد فيروز: دوري في الغناء كافيني ومطرح ما أنا منيح.. مش ممكن أبدا اني كون لحزب مش ممكن كون زلمة جدا. أنا مع كل مظلوم مش مع كل ظالم, أنا مع كل لبنان من موقعي هادا. مش لبنان خاص لشخص واحد. هما بدن يقسموني يصنفوني ليش ومنشان شو. انت مش راح رد عليك.
وتظل فيروز تغني لبلادنا التي لا تعطي مجدها إلا للموتي, ولا تعلق الأوسمة إلا علي التوابيت.. لبلادنا التي تميت أحياءها وتحيي أمواتها.. لبلادنا التي تطعن في الظهر وتطعن في القلب.. فقدر فيروز أن تتابع الطريق, وقالوا لها إلي أين تتجه قالت: مابعرف هلق مافي قول.. ضاق خلقي ياخي من ها الجو العصبي, شو مابتفهم عربي.. يسألونني كيف لم ترحلين عن لبناني مع الذين رحلوا فهل يرحل التراب وإلي وين أرحل ويجب أن يبقي حدا ليبقي وطن, قد نخسر كل شيء ونبقي وليس فني بأعظم من وطني إذا حدث ووقع فني ووقع وطني أترك فني.. وكانت فيروز قد غنت لابنتها ريما وهي لم تزل طفلة في المهد غنيوة قبل النوم: ياللا تنام ريما/ ياللا يجيها النوم/ ياللا يجيها العوافي كل يوم بيوم/ ياللا تنام لدبحلها طير الحمام, وروح يا حمام لا تصدق بضحك ع ريما تتنام, ياللا تحب الصلاة ياللا تحب الصوم/ ياللا تنام ريما ياللا يجيها النوم....والآن تكتب ريما حسناء العشرينيات لأمها فيروز أشعارا تقول فيها: صوتك للناس كلها عم بيغني/ صوتك عم ينده للعيد/ صوتك عم بيشتي ثلج وفرج ع الكل بس أنا بيزعلني بيذكرني بحزنك العميق/ وحدي أنا من بين الناس بعرف أنك حزينة/ وحدي بعرف أنو الغنية غنية ومش حقيقة/ تضيع السنين اللي راحت ويمكن تضيع السنين اللي جاي/ ويمكن تضيعي انت بين السنين اللي راحت وبين السنين اللي جاي.فيروز ابنة عام1935 التي غنت في بداية الرحلة لمكتشفها حليم الرومي: أحبك مهما أشوف منك ومهما الناس قالوا عنك ومن بعده الرحلة الطويلة مع الأخوين رحباني التي بدأتها بألحان راقصة من تأليف عبدالله الخوري نجل الأخطل الصغير, وغنت لمدحت عاصم وسيد درويش ومحمد عبدالوهاب الذي وضع لها عدة ألحان منها لحن أسهار: أسهار بعد أسهار تا يحرز المشوار/ كتار هو زوار شوي وبيفلوا وعنا الحكاكلو..وكثير من عشاق فيروز يستعصي عليهم إدراك معني الكلمات فأسهار بمعني أسهر, ويحرز بمعني يستحق, وكتار أي كثيرون, ويفلوا أي يذهبون, ومن بعد أسهار وضع لها عبدالوهاب سكن الليل التي حضر غناءها في غابة الأرز وتبعها إلي دمشق حيث أنشدتها في مهرجانات المعرض الدولي, وانتهي المشوار القصير الذي بدأ مع جارة الوادي من أشعار أحمد شوقي, المشوار الذي استعد معه المستمعون لسفر طويل فتوقف القطار في أول الطريق... وقيل إن فيروز لا تتقن فن الحديث وعذرها أنها ليست ثرثارة ولا تتقن حمل لافتات الإعلان عن شخصها في سهرات المجتمع اللبناني الصاخبة.. إنها كالمبدعين الحقيقيين جميعا, ليس لديها ما تقوله غير إبداعها.. نتابع أقوال فيروز علي مر عشرات السنين لنجده كلاما كالشعر بعضه محاط بسياج اللغة اللبنانية الحميمة مثل: بصير الفنان مثل الشخص. وكله بيصير خاطره قزاز. الحكي اللي في لوين بيروح! بيقعد بينطر... بتمر الريح وهوه ناطر, وبيخاف يخدشها بكلمة... وبعضه كلمات نجمعها كما تجمع الرياحين من حقول الصدق ومن فوران العاطفة:حياتي قطار يركض ما بين الأحباب والأعداء. ناس غيروا قطارات. ناس نزلوا من قطاري بنص الطريق. ناس لغموا السكة من بعد ما كنا صحاب. ناس حاولوا خطف القطار. ناس اتعربشوا وطلعوا مش محبة بالقطار ولا بالسفر, بس تا يوصلوا. وناس ظلوا صحاب قراب, ململمين حوالي مثل الوطن. القطار وطنه أحبابه لا محطاته وسككه... ما عندي حكي. اللي بدو يفهم علي مابخلليكي تحكي. نفسي انبرت مثل القلم داخل البراية. مثل حبة بن بشي مطحنة جبلية.... مين أنا وليش جيت وليش صرت هيك؟!..... ما يحزنني هو أنهم جميعا يحبونني ويكرهون بعضهم بعضا... إيماني بأن بلدي مكتوب عليه ألا يموت... بيتنا بزقاق البلاط, كان في خزاين, بالخزاين كان في مراي, بالمراي كان في غراضي, بين الغراض كان إلي تنورة وصورة مليانة ضحك وسعادة.... يوم اختاروا الحرب علي اخترت أنا الصمت. أخرجت من بيتي ولم أخرج منه. أبعدوني عن العمل ولم أرفض التعاون. قد يأتي اليوم الذي أحكي فيه, لكني إلي اليوم مازلت أفضل الصمت. هناك بشر للحكي وآخرون للإصغاء,وأنا من فئة المصغين. أنا من أهل الصمت.... في مسرحية صح النوم غنيت في فقرة حوار روح ياللي ما مربي واحتج الكثيرون ففيروز ما بيلبق لها ها الحكي. غنيت كيفك أنت وفي نفسي رغبة داخلية بكسر الوقار البطريركي الذي يلبسني. يخيفني هذا القالب الذي أجد نفسي مصبوبة فيه. يرعبني هذا الرمز الذي صرته. في مسرحية( جبال الصوان رفض الكثيرون فكرة موتي علي البوابة في آخر المسرحية, كان علي البطل المتسلط فاتك أن يقتلني في المشهد الأخير, وكنت أسمع أصوات الجمهور تصرخ تنكسر إيدك فيروز ما بتموت. في الفن كما في حياتي العادية أشعر بأنني سجينة القالب. صارت حياتي مثل لاعب السيرك الذي يمشي علي الحبل, مطلوب منه أن يمشي بلا وقوع. عندما صار اللي صار وانفصلت عن عاصي قال لي البطريرك طلاق ما في.. انت لست امرأة.. انت نموذج للمرأة ورمز لها.... عاصي كان طفلا يمتلك نفسية مفتوحة كالكف. أعطاني كل الأشياء التي كنت أحبها. مرة كنا جالسين مع ليال ابنتنا في الشرفة المطلة علي البحر.سألها فكانت إجابتها مثل ما أردت أنا أرد عليه. سألها: بتحبيني قد إيه؟ قالت له: شايف البحر شو كبير قد البحر بحبك, فتحولت في اليوم التالي إلي أغنية.... أنا لست عنيدة أنا أفكر كثيرا وثقتي قليلة بالغير كما أنني أنفذ قناعاتي, وأحبذ المرأة العنيدة بحق ومش عالفاضي.... سوف أغني وأغني وأغني واعطني الناي وتعال غني معي حين يستعيد لبنان عافيته, حين يسترد لونه المخطوف, وأرزه المحترق, وتفاحه المقطوف وأزهاره الذابلة.... السعادة والحزن ممتلكات شخصية لا يجوز لأحد الاطلاع عليها. لا توجد حياة بدون حب حتي لو اختبأ تحت الجلد. أعيش حياتي كما عشتها منذ ولدت بين الموسيقي والتأمل والسهر والنوم, لا شيء يتغير عندي لأنه لم يوجد المبرر الذي يغيرني....في انشغالي أجدني أغني كيفك انت, وهو صحيح صحيح الهوي غلاب معرفشي أنا, ودخلك يا طير الوروار, وياما أرق النسيم, وزوروني كل سنة مرة, وشط اسكندرية, ومرسال المراسيل, وكيفك أنت, وهيك مشق الزعرورة, ويا شادي الألحان, ويا عاقد الحاجبين, وبتريدي تحاكينا أم لا.. لا.. لا.. و.. تكتك يا أم سليمان.... علي الإنسان أن يملأ عينيه بالذين يحبهم قبل أن يملأها التراب. قبل الفراق يظن الإنسان أنه شاهد الذين يحبهم بما يكفي, ويأتي الفراق ويعرف أنه ما شافهم كفاية...... المحبة أحيانا قيد, وباسم المحبة تجد نفسك أحيانا ممنوع من المشي خطوة خارج صورتك المكرسة, لقد أحسست بذلك دائما ولكن بصورة غامضة, ثم اتضحت الصورة حين قمت مع ابني زياد بخطوات جديدة في الحقل الفني. المحبة ليست ترفا. المحبة بحاجة دوما إلي جهد لتنمو وتتطور.أنا لم أغن في أي يوم نوعا واحدا, قدمت ألوانا كثيرة وكان الناس يتجاوبون بصورة مختلفة, أغاني أحبوها من الصرخة الأولي وأخري أحبوها بعد اكتشافها مرات. أريد أن أنمو وأن ينمو جمهوري معي. لا أريد أن أقدم له رشوة من تكرار ما ألفه. أتمني أن نمضي معا صوب الجديد الذي ينبثق باستمرار عن تراثي كتطوير حي له.... ما بافهم في السياسة أنا ضد الحرب أيا كانت وضد الظلم, وحياة الإنسان قصيدة علي الأرض, قصيدة حب أو قصيدة قهر, وها الإنسان مجروح ومقهور وين ما كان. اللي بقي واللي سافر. بس المجروح مطرحه مش مثل اللي بينقلوه لبعيد. في رحلتي لأمريكا غنيت لأهل المهجر: شو ما صار, بس ما تنسوا وطنكم.. وراح أغني كثير كثير لحد العصفورة ما ترجع تعشش بالقرميد.... أنا ما بسوق عندي شوفير.... أنا لست مرهما مخدرا للأحزان.... أنا جاهزة دائما للمسرح الغنائي شرط أن يكون هو أيضا جاهزا لي.في الغربة يفرحون بحضور الوطن في ذاتي, وأشعر بالأمان في وجود أي عربي في قاعتي. لا أريد دور حفار قبور الذكريات في حياتهم أريد أن نستمر في الحياة, والحياة هي الماضي والمستقبل معا..... الحسد مثل الجمرة الحارة بتمر علي وجهي. هيك بشعر بها. الحسد عشته وقاسيت منه وبصلي كتير الله يحميني منه..... الإنسان مخير ومسير بنفس الحين, قدامه أشياء بيختارها وقدامه أشياء ما بيقدر يغيرها كالمرض والموت. ما بعرف إذا ما كان الزواج قدر أم اختيار. هو مثل الحياة قدر واختيار: بحياتنا أشياء بتروح وأشياء بتيجي وغياب ها الأشياء عني بيؤلمني. دائما أسأل نفسي: ليه فيه ظلم كثير بالدنيا ما لاقية جواب ليه بقت الدني غير الدني..... الخجل جزء مني بقدر الهروب منه, لكن شيء من الخجل ضروري مثل نتفة بهار..... بخاف من الارتفاع وأخاف من البلكونة ما أحب أقف فيها خاصة قريبة من السورولما كنت أحمل أولادي صغار كنت فزعانة حتي أقرب من البلكونة.... لما راح نصر شمس الدين في شي بفني نقص لأنه رحل, وهناك شيء مني مع عاصي, وهناك شيء من عاصي باق معي..... أنا أكبر إخوتي جوزيف من بعدي لكني أشجع منه وعندي ثلاث شقيقات. في المدرسة كنت شيطانة أذكر أني كسرت ذراع تلميذة ولم أقصد هدا لكني كسرته. كنت عاقلة بالصف وشيطانة بالملعب, لكني اليوم عقلت وكترت العقلنة. والدي وديع حداد, زلمة درويش كان عاملا في مطابع لوجور, أمي ليزا بستاني من بلدة الديبة في الشوف, وجدتي كانت طيبة تأتي بالأعياد محملة بأكياس اللوز ترتدي تنورة بجيوب واسعة وفي نهاية الزيارة أروح معها لبلدتها في البوستة أنط جنبها وأنا لا أعرف لوين رايحين. في سنة1955 جاء عاصي لبيتنا وتم أمر الزواج أشبه باسكتش عالمسرح وفضلت طول عمري أسأل ليش عمبيصير هيك.دعوناه للغداء وطبخت له بطاطا وكفتة مع السلاطة وبعد الغداء قال لي اتركينا شوي يا نهاد أنا وأبوكي بدنا نحكي كلمتين. غادرت وسمعته بيقول له: أكون ممنونلك لو جوزتني بنتك, فرد والدي: علي بركة الله.... بيتنا بيت معاناة وفي رحلتي العائلية زلزل كياني أربع مرات وبتضل الزلزلة للآن.. الأولي لما أصيب هلي ابني وصار مقعدا يتحرك علي كرسي أطعمه بيدي, والثانية لما ماتت أمي وهي في الثانية والأربعين, والثالثة لما رحل عاصي, والرابعة لما ماتت ليال ابنتي. في كل المصائب والصدمات ظل إيماني بالله قويا..... طفولتي كانت معثرة ما عرفت فيها لعب ولا حضنت لعبة ولا تذوقت حلوي.عشت غريبة عن أحلام الصبايا أمنياتي تجمدت عند عتبة الدار. دخلت كورس الإذاعة وعندي خمستاشر سنة اختارني مدرس الموسيقي سليم فليفل من بين الطالبات ونصح أبي بإلحاقي بمعهد الموسيقي وفي يوم استدعاني مدير الإذاعة أسعد الأسعد وطلب مني أغني في حضور حليم الرومي وغنيت لفريد الأطرش يا زهرة في خيالي ولأسمهان يا ديرتي مالك علينا لوم وحين اقترح حليم الرومي اسما لي غير نهاد حداد خيرني ما بين فيروز وشهرزاد فأصبحت فيروز. ويوم ورا يوم اشتريت جهاز راديو مستعمل وانتقيت من السوق لفستاني قماش أبيض مطبوع عليه السلم الموسيقي بالأحمر....كان بيتنا حجرة ببساط فوق الحجر وحمامنا مشترك مع الجيران, بعد الزواج كنت أسد الثغرات المفتوحة بما يتيسر. يريحني جو البيت الحي غير المحنط الذي يشبه أجواء المتاحف, وأخذت عن أمي ميلها للحلي والخواتم لكن عملية الشراء لم تزل عندي تتم من خلال موازنة دقيقة فليس من السهل نسيان العوز الذي عشته في طفولتي..... بالقاهرة جاءني مولودي الأول زياد وضلوا يقترحوا يسمونه ياقوت أو زمرد مادمت أنا فيروز قلتهم شو الأسامي تبع المجوهرات.... أنا أقف في الحياة كتلميذة لأتعلم من سائر الأشياء, من الطبيعة والناس, ومن عيون الأطفال وشهقات الأمهات, ومن الكتب والقصائد, ومن الآخرينولا أتمني أن أهاجر من تلمذتي ومن ضفائري ومريلتي, ولو فعلت ذلك لصرت عجوزا شمطاء..... لا أعتبر نفسي أمثل بالمعني الكامل للكلمة بل أقوم بأدوار قريبة من نفسي, وكثيرا ما أعود إلي أدواري في الاسكتشات القديمة لأتذكر مدي خجلي وخشيتي من الحركة, فيتأكد لي أن حب الناس هو الذي يفجر في الفنان طاقات لم يكن هو ذاته يتوقعها, وليت الجمهور يدرك مدي المجهود الذي بذلته حتي استطعت بخجلي يوما أن أضرب علي الدربكة في مسرحية هالة والملك. المسرح سيف ذو حدين ومجهر يكبر السيئات والحسنات في وقت واحد, إنه المجازفة الكبري بالإضافة لكونه لا يخلق الحضور عند الفنان بل العكس فحضور الفنان هو الذي يملأ المسرح حياة وحرارة
أحمل اعتزازا خاصا بشهادة الزعيم جمال عبدالناصر الذي كتب عنه الأستاذ محمد حسنين هيكل يقول إنه كان يحب سماع صوتي ويعتبر من أخطاء المصادفات أنني ولدت خارج مصر.... يسعدني أن ينجح الفن حيث تفشل السياسة كما يسعدني أن صوتي أو صوت فنان غيري يغدو جامعة دول عربية تجمع ولا تفرق... ليش عمبيصير هيك القمر بيضوي عالناس والناس بيتقاتلوا.. في القصف أثناء الغارة أختار أصغر مكان في البيت, مكان يشبه الرحم أو الصدفة وأركن فيه وأبقي بلا حول ولا قوة.... أنا لست مطربة أرستقراطية والناس تعلم ذلك فأنا لا أغني لطبقة بل أغني للإنسان في لبنان وكل العالم العربي وأغني للعالم. أغني للبنان الموحد. أغني للمغتربين في بقاع العالم.أغني لمكة وللقاهرة ولعمان ولبغداد وأغني لدمشق وبيروت وبعلبك. لحظة عاجزة أنا عن وصفها لا يعيشها سوي الفنان حين يعتلي المسرح ويري الموسيقيين يعزفون والعيون كلها شاخصة إليه. لحظة ينتقل فيها إلي عالم النشوة ولا يدانيه سموا عالم دنيوي آخر. غنيت علي أعلي جبال لبنان في الأرز فلفني الضباب وغطي الجمهور فتحول الليل إلي زمن من أزمنة الجنة.... أم كلثوم لن يجود الدهر بمثلها, عندما أستمع إليها أحس بأستاذيتها وأشعر بأنني أمام صوت جبار وعقل وذكاء نادرين, والفن الأصيل لا يموت وأم كلثوم صاحبة فن لا ينسحب من المناطق المحتلة به.... أشعر بالحزن في ليلة ختام المسرحية مهما كانت ناجحة. أشعر أن حياة كاملة تطوي. زمنا يرحل.أحببت دائما الذين يعملون معي. قد لا أعرف الأسماء, وقد لا نتحدث إلا علي خشبة المسرح ولكن صلة إنسانية خاصة ووشائج لا يعرفها إلا أهل المسرح تنشأ بيننا. صلة تشبه التواطؤ علي الإبداع وبعدين بيفلو وتطوي الديكورات, وتختفي أسرة أخري من أسر حياتي بل حيواتي المتعددة.... عندما أغني من ألحان زياد فأنا أغني لفنان كبير ليس لأنه ولدي وصحيح أنه نشأ في بيت الرحبانية وأن ذلك رعاه فنيا لكن من يستطيع أن يهب عبقرية لأحد؟. زياد الزمن الطالع من الزمن الرحباني والسائر في اتجاه فريد. زياد لم يأت من الحائط فأبوه عاصي. طالع كعشبة برية في حقول الرحبانية.. عاصر المسيرة كلها.. الوارث الذي لا يكمل الجملة بل يكمل الطريق ليس بالاتجاه الذي رسمه الأب بل بالاتجاه الذي ترسمه الحياة لمستقبل القادمين..ولأنها فيروز.. من تغني في منطقة يتحول فيها الأعداء إلي جوقة إنشاد واحدة فلهذا ارتفع السؤال هذه الأيام في لبنان ولم لا؟!.. لم لا تكون فيروز هي رئيسة لبنان القادمة؟
!!!!!!!!!!
بينما فيروز وحدها تغني:
أنا صار لازم ودعكن وخبركن عني
غنينا أغاني عاوراق غنية لواحد مشتاق
ودايما بالآخر في آخر.. في وقت فراق
Tuesday, December 11, 2007
Subscribe to:
Posts (Atom)